أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
106
نثر الدر في المحاضرات
لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا ، ويرفع حقيرا وليس بفاعل . إنّ اللّه يمتحن بالإنعام عليك ؛ فأفد من فائدته ، واستمدّ فضلك من فضله . بكرم اللّه نبلغ الكرم ، ومن نعمه حمد المنعم ، وهو المتغمّد للذنوب في عفوه ، والناشر على الخطّائين جناح ستره ، الكاشف الضرّ بيده التي بالعدل عاقبت ، والمجيب للدعاء برحمته التي بالتوفيق أنطقت ، والجواد بما كان في قدرته ، والمنعم قبل الاستحقاق لنعمته ، كم سيّئة قد أخفاها حلمه حتى دخلت في عفوه ، وحسنة ضاعفها فضله حتى عظمت عليها مجازاته . إنما يعرف اليقين باللّه من التقوى . الناس وفد البلى ، وسكان الثّرى ، ورهن المنايا . أنفاس الحيّ خطاه إلى أجله ، وأمله خادع له عن عمله ، والدنيا أكذب واعديه ، والنفس أقرب أعاديه ، والموت ناظر إليه وينتظر فيه أمرا لا يعييه . على قدر إخلاصك الشكر تزيد عندك النّعم ، ويسرع إليك المرجو . إنّ أمر اللّه ونهيه ما وقعا إلّا على خير في الدنيا قبل الآخرة ندب إليه ، أو شرّ في الدنيا قبل الآخرة حذّر منه ، ثم وعد بالثواب على طاعتهم له ، فيما فيه صلاح أحوالهم تفضّلا منه وامتنانا ، ولو كان اللّه تبارك وتعالى لم ينزل كتابا ولم يرسل رسولا ، ثم أجمع أهل الأرض على اختيار الأمور تصلحهم ، وتشدّ نظامهم ، وتنفي مكروه العواقب عنهم ، وتجمع الكلمة ، وتديم الألفة ؛ ليكون آية لأفعالهم لا يخالفونها ، ولا يستبدلون بها ، لم يكن إلّا ما أمر اللّه ورسله ، ولو أجمعوا على الاجتناب لأمور تدعو إلى الفرقة ، وترشح أطفال الضّغائن ، وتدبّ عقارب الشّرّ ، وتسفك الدماء ، وتشظّي العصا ، وتنقض الحبل ، وتشتّت الشّمل ، لم يكن إلّا ما نهى اللّه عنه ورسله . لا يزال الإخوان يسافرون في المودّة حتى يبلغوا الثقة ؛ فتطمئنّ الدار ، وتقبل وفود التناصح ، وتؤمن خبايا الضمائر ، وتلقى ملابس التخلق ، وتحلّ عقد التحفظ . لولا الخطايا أشرق نور الفؤاد .